وليم نصار
موسيقى من أجل الحياة
 

مقال نقدي لالبوم شو بتشبهي الرمان بقلم القاص الغزي يسري الغول
 

image-1  صدر مؤخراً للفنان الموسيقي الكندي من أصل لبناني وليم نصار ألبوماً غنائياً جديداً يحاكي الواقع المرير الذي تمر به المنطقة، وتحديداً الأراضي السورية التي ما زالت تقتل نفسها كل ليلة.

الألبوم الذي حمل في جعبته ثمان أغنيات بطعم الرمان والحصار والجوع والحب المغمس بالدم يحاكي الأغنية الحديثة التي تأسر المتلقي ببراعة التوزيع الموسيقي داخل تلك الأغنيات، حيث تتحدث كل أغنية عن عالم وحكاية وألم بموسيقى تصويرية مرهفة تضج بعمق الإيقاع وتوازن السوناتا مع المقدمة مع القصيد السمفوني، بخلاف ما نشهده اليوم من ظهور الأغنية السطحية والركيكة التي يظهر الابتذال فيها بشكل واضح. فالموسيقى تنفعل هنا حتى يصبح دورها التعبيري أهم عنصر في العمل الفني بل وتزداد أهميتها لكونها مؤثر فوري وسريع لدى المتلقي.

وحيث أن الحديث عن الأوزان الموسيقية يجب أن يتوازن مع النصوص والكلمات، فلا بد من قراءة نصية لتلك الأغاني التي وجب على المهتمين الحديث عنها في ظل انشغال الجمهور عن الأغنية العربية العالمية كالتي يقدمها نصار اليوم بسبب الواقع المرير الذي تحياه الأمة.

ففي أغنية شو بتشبهي الرمان، الموسيقى تنساب رقيقة دفاقة وتظهر تطور في الأداء الموسيقي لدى وليم نصار، عدا أن صوته حزين يحاكي حبيبته تلك، فهل هي الأنثى التي يقصدها أم أنها المدينة التي تعشش في قلبه الجريح. يحبها كرمانة ويغني لها: شو بتشبهي الرمان/ شو بتشبهي الرمان/ السكر على حفافك/ خمرة زهر رمان/ الرعشة على شفافك/ أحلى من الرمان/ ولوووو/ ولوووو/ شو بتشبهي الرمان.

الهدوء الذي ينتاب جو الأغنية يدفعك بتخيل الأنثى في قلب المدينة المتخيلة وحكاية عشق لا تنتهي مع تلك الفتاة التي تنتابها رعشة الخجل أحياناً كلما بقي السكر معلقاً على حواف الشفتين. هي تشبه الرمان ولبنان تختفي مع نفايات تعمر الشوارع لكنها رغم ذلك جميلة، وصوت وليم أكبر من كل الزبد الذي يعلو الحكاية/ الأغنية: جسمك دهب صافي/ بلون الخبا غافي/ أسمر قمح لبنان/ شو بتشبهي الرمان.

في أغنية حصار الجوع يعمد وليم إلى ديباجة موسيقية تضج بالحركة والحياة وفيها من التجديد ما يوحي بتطور الأدوات الفنية لدى المغتربين العرب، حيث بعث الروح في مخيم اليرموك الذي يعاني ويلات حصار لا يرحم. (لا داعي للذكر ما سببته تلك الأغنية سلبا على وليم نصار من إشاعات وحملات تشويه من قبل من يحاصرون المخيم أو مرتزقتهم).

عند الإنصات لوراق الشوق، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المستمع هو الحنين إلى الأم التي تمثل الوطن في أحايين كثيرة. والصوت يقول: غربت شمسنا ونام/ كل مين ببيته/ لو ما يطل الليل/ جا هم تنيتة. حيث انتشرت تلك الأغنية وغيرها من ألبومه وألبومات سابقة في صفوف الشباب لسهولة لحنها وبساطة كلماتها.

وليم الذي يسمع صوتها من حلب عاشق يمشي على تراب هذه المدينة التي تخضبت بدماء الأبرياء حتى صارت أيقونة حزن. ولعل أكثر ما لفت الانتباه في تلك الأغنية الدافئة هي قوله: سمعان صوتك من حلب/ شلال بالقلب انسكب/ عم إلحقك حافي/ وتندهلك شفافي/ عطشان يا بنت العنب.

في حلب، تستحلب ريقك وأنت تسمع الكلمات على وقع الانفجارات الغنائية داخل الحروف والكلمات التي تنتهي بحالة الحب التي تتجاوز الموت والدمار في نهايتها لأن كل ما هو تحتها سينقلب إلى ذهب.

إن من يجرب أن يدرس يفهم العلاقة بين المقامات في الموسيقى والأمزجة عند الناس وإلى قدرة الموسيقى بإيقاعاتها المختلفة وألحانها على استثارة مشاعر معينة عند الناس من الحماسة أو الغضب أو الحنان وهو ما نجح في الوصول إليه وليم نصار عبر ألبومه الأخير شو بتشبهي الرمان.

ولعل قصيدة بحبك كأنك شام أو بحبك كأنك حمص يعيش حالة الهيام والنوم على صدر الحبيبة، المغتصبة بفعل الواقع المرير الذي أوصل الشام إلى ما وصلت إليه وكأنه يطلق رصاصته أمام العالم للفت أنظارهم عن الواقع المرير هناك وحالة التشتت والدمار والتشرذم الذي خلفه قتل الرأي الآخر واستعداء الديمقراطية.

رقصة امرأة لعوب ذات موسيقى قريبة من الموشحات الأندلسية والنغمات التي تميل إلى دول المحاذية لبحر قزوين، مع إبداع في تسخير الألة الموسيقية الغربية لتنطق اللغة العربية بكافة مكنوناتها. تتحدث تلك المقطوعة الموسيقية عن امرأة أقامت الكثير من العلاقات الجنسية وعندما تزوجت لم تقطع علاقتها بهم فكان نصيبها الهجر، فلا هي تعيش إلى كنف زوج ولا هي مطلقة أيضاً. بل مشتتة كحال الأمة العربية جمعاء اليوم.

ذات الأمر ينطبق على مقطوعة إلى مريم، والتي اعتمدت على ثيمة الترتيلة يا مريم البكر، فنسمعها تتمايل ما بين الاركستر السمفونية وبين موسيقى الجاز في تناغم فريد.

إن وليم نجح في اجتياز الاختبار من خلال تحقيقه للأعمال المركبة من عناصر وأفكار عدة، مرحلة ما قبل الإنتاج، ومرحلة تجسيد العمل الموسيقي، أي تدوينه وخروجه من الأعماق إلى الوجود ثم مرحلة مراجعة العمل الموسيقي لتذوقه ونقده نقداً ذاتياً، ثم وضع اللمسات الأخيرة عليه، اعتماداً على روائز هي مزيج من مفعول العقل وتأثير الوجدان معاً.

وليم نصار المؤلف الموسيقي الكندي من أصل لبناني ويمثل الصوت الصارخ من أجل الحرية والعدالة، وقد أضافت موسيقاه وأغنياته بعدا جديدا في الأغنية العربية الحديثة، من خلال تشكيل علاقة خاصة بينه وبين الجمهور. شارك وليم نصار في العديد من المهرجانات الموسيقية الدولية، إلى جانب حفلاته الخاصة في الأمريكيتين وأوروبا ولبنان، ونال العديد من الجوائز وشهادات التقدير والأوسمة.

في شهر نيسان 2015 أصبح وليم نصار مواطنا عالميا من خلال انضمامه ومشاركته في مهرجان المواطن العالمي الذي أقيم في واشنطن إلى جانب كبار نجوم الموسيقى والغناء في أمريكا وكندا.

روابط المقال
جريدة العرب الصادرة في لندن | رابطة أدباء الشام | دنيا الوطن

صفحة حوارات في الصحف والمجلات برعاية

image-1